1 November 2010

القضية وسندويش دجاج

 في اليوم الأول من أول إقامة فنية لي، شعرت بملل فظيع. ما الذي يفعلونه الفنانون في تلك الإقامات؟ غفوت على مقعد مخصص لسينوغرافيا العرض الذي أعمل عليه. كان هذا أول استعمال لي لمكان العرض وأول علاقة أبنيها معه. عندما صحيت، رحت أراقب الموظفين في المبنى المجاور لساعات طويلة وأدرس حركات أجسادهم المدفونة في الكراسي المتلاصقة وأناملهم الرشيقة على الكومبيوترات وحين يتكلم أحد منهم على الهاتف أقوم بدبلجة مكالمته بحسب تحريكه لشفاهه ويديه وحسب ما أريده ان يقول من أشياه تافهة أو مضحكة أو دنيئة وكانت هذه العلاقة الثانية التي بنيتها مع المكان المخصص لي لتحضير عرض مسرحي أردته أن يكون أوتوبيوغرافياً عن حياتي العاطفية.
بعد أربع ساعات من إقامتي الفنية شعرت بجوع هالك فهرعت الى الشارع متمسكة بهذا الشعور وكأنه خلاصي ورحت أبحث عن مكان يسد جوعي ويفتح الشهية واذ أجد نفسي أمام لوحة كتب عليها بالعربية "مطعم لبناني". طبعاً هنا نسيت كل شعور بالفشل والملل ودخلت المطعم برأس عال وشهية فتاكة. 
 كعادتي في المطاعم والأماكن العربية في لندن أدعي عدم تكلم العربية فأشير بأصبعي الى الطعام أو ألفظ أسماء المأكولات وكأنني لم أسمع بها من قبل في حياتي ولم ينطق لساني مخارج الحروف هذه أبداَ. التهمت سندويش دجاج مع الكثير من التوم والكبيس وسمعت العاملين في المطعم يتحدثان عن ضيعتهم في جنوب لبنان. (بعض الأشخاص يخرجون من قراهم ولكن قراهم لا تلبس رافضة الخروج منهم رغم سنين طويلة من الهجرة.)
عند انتهائي من أكل السندويشة وهذه عملية لم تتجاوز بضعة دقائق اذ كنت جائعة وأنا من أبطال العالم في الأكل وحين بدأ شعور الاكتفاء المرافق بالكسل يتسلل الى جسدي، صرخ بي أحد العاملين في المطعم:” هل أنت فلسطينية؟"
"لا" هرعت للجواب بالانكليزية وأشحت نظرى.
"من أين أنت؟"
"أنا... من لبنان" (أنا أخفي بعض الحقائق لكني للأسف أستصعب الكذب)
"من لبنان؟ آاااه... وأنا أيضاً!"
لحظة صمت... لكن سرعان ما انتطفأت بما كنت أتجنبه: انهيار من الأسئلة وحديث سريع مصحوب بأحكام اعتباطية وملاحظات غير مرغوب بها. "ظننت بأنك فلسطينية لأنني قرأت شعار الحرية لفلسطين على حقيبتك" والسؤال المئة مليون "ومن أين أنت في لبنان؟"
" من جونية"
صمت... "حقاً؟"  صمت  "من جونية ومع فلسطين؟"
لم أجاوب ولاحظ المتسائل ذلك فاعتذر وقال أنه لم يكن بوسعه حتى زيارة جونية في تلك الأيام حين كان في لبنان. قلت له أن الأشياء تطورت ثم غيرت رأيي بسرعة. أردت أن أعطيه الأمل بعد أن سمعته يتكلم عن قريته برومنسية وانفعال ولكني خفت عليه من أن يصدق أن أعلام فلسطين ترفرف في كسروان.
أخبرته عن العرض المسرحي. سألني عن ماذا؟ هل هو عن القضية الفلسطينية؟
"نعم بالطبع" وهرعت بالخروج.
كذبت حين قلت أني استصعب الكذب! أحياناً أكذب في لحظة حرجة. ماذا عساي أن أقول؟ "لا والله العرض عن صاحبي!"سوف يقول أني تافهة، أني أنانية، أني من فنانين ما بعد الحداثة الغير مسييسين. سوف يقول أني برجوازية وأني أؤمن بالفن للفن، سوف يتهمني بأني منشغلة بسيرتي الذاتية... وهو سيكون على حق.
في اليوم الأول من أول إقامة فنية لي نمت، لعبت وأكلت وأدركت أنني أرتدي شعارات سياسية لكنني لا أغلفها بفناً. 

1 comment:

  1. Our whole life's a performance, and you're still young.

    I do the same thing at restaurants and pretend I don't speak Arabic (unless I want to get an extra falafel in my sandwich) but I would have liked to hear your explanation for it.

    ReplyDelete