7 March 2011

أرضنا وبناتنا لغير البيع

اعتدنا في لبنان على سماع حكايات عن حبيبين ينتميين الى طائفتين مختلفتين من طوائفنا العديدة وعن مشاكلهم مع أهلهم وأقاربهم وضيعتهم ومنطقتهم بسبب ذلك. والحقيقة أنّ في لبنان حربنا الأهلية لم تنتهي بعد ربما كحال جميع الحروب الأهلية أينما كانت.
ما يعانيه جيلنا الآن نحن الذين ولدنا خلال الحرب ولم نشارك فيها أننا نجد أنفسنا اليوم حائرين بين إرادة الانفتاح على الآخر والعيش معه وبين مراعاة شعور أهلنا الذين هم شاركوا في الحرب الأهلية وما زالوا متشبّصين بأرائهم الطائفية والعنصرية. وفي بلادنا نتعلّم عن صغر سن إحترام الأهل وان أخطأوا ويجدر بنا عدم ابداء أراء سياسية مختلفة عن العائلة خاصةً إن كنا بنات أي "مش فهمانين شي" ونناقش أباء ملّقبين بأبطال حرب. 

إنّ رفض المجتمع البطريركيّ للزواج المختلط بين الأديان تتعدى أسبابه الطائفية لتصل لحدود الشوفينية فالقصص التي نسمعها تلك هي في أجمالها تحكي عن والد يرفض "اعطاء" ابنته الى حبيبها الذي من دين آخر. وهناك الكثير مّما يقال عن فكرة "طلب اليد" و"إعطاء اليد" في الزواج وكأنّ الصبية هنا كائن ضعيف إن لم يأخذ بيده رجل لوقع وفكّ رقبته. الشوفينية هنا أنّ ما زال الآباء يعتقدون أنّ بناتهم ملكاً لهم وهم لديهم كامل الحق في إختيار من سيتملّكهنّ بعدهم وكأنهنّ قطعة أرض عزيزة ولن يتخلّوا عنها الّا في حال عرض عليهم عرضاً سخيّاً يتباهون فيه في مجتمعهم الصغير. وكما أن بيع الأرض في لبنان لشرَاء من طائفة أخرى لهو يعتبر سيئاً وفي بعض الأحيان دنيّاً ومحرجاً وغير مسموح كذلك إعطاء الابنة لرجل من غير طائفة خاصةً وإن كانت فتاة جميلة ومتعلمة كحال الكثير من نساء بلادنا. (وهنا عذراً عن استعمال كلمة النساء اذ إن النسوية في لغتنا الشائعة حكر على المتزوجات ومن لم تتزوج تبقى فتاة وإن أصبحت عجوز.)
من المؤسف والخطير أنّ ليس هناك من قوانين جديّة لحماية حقوق المرأة ولاسيما حقها في اختيار شريكاً لحياتها وليس هناك من قوانين جدية لملاحقة من يرتكب جرائم ثأر رهيبة أو من قوانين تمنع الطائفية والعنصرية. وفي المقابل لدينا وزراء يجدَون في نص قانون لحماية الأملاك من بيعها لمواطنين من طوائف أخرى. وإنّ قانون مفجع كهذا ليس فقط عنصري وطائفي وطبقي ويعزز الانغلاق على الذات لكنه أيضاً يشعر المواطنين ولاسيما الشباب منهم بفقد ثقتهم الكاملة في دولة تشدّهم الى الخلف وتعيق حركتهم الطبيعية. فالطبقة السياسية تلك لهي بأغلبيتها الساحقة مكوّنة من رجال من جيل أبائنا وهم مثلهم شاركوا في حرب أهلية ولا يريدون الخروج منها.

ونحن أيضاً منعمين بوجودنا في منطقة جيراننا لهم مثلنا وأضرب في العنصرية والطائفية والذكورية فسمعنا مؤخراً عن مجموعات إسرائيلية متشدّدة تطالب بمنع بنات اليهود من الزواج من الشباب العرب. قرأنا مقالات عديدة في صحف إسرائيلية وعالمية عن تلك المجموعات المتطرّفة ولاحظنا أنه لم يؤتى أبداً على ذكر زواج الشباب اليهود من الفتيات العرب فتساءلنا عمّا اذا كان يحق لهؤلاء بذلك أو أن هذه ليست بمشكلة أساساً اذ أنّ الفتيات العرب لا يحق لهنّ أصلاً الاقتراب من رجالهم. فهل المسألة هنا أن على كل طائفة أن تضبّ بناتها؟

في ظلّ منطقة مترسخة بالانقصام الطائفي والعنصري والطبقي يصعب على الجيل الجديد شقّ طريق آخر بعيد عن اتجاه آبائهم خاصةً بوجود قوانين وسياسيين يعززون تلك الآراء المتخلّفة. ويبقى الحمل الأكبر واقع على أكتاف نساء وبنات هذا الجيل فهنّ يعانين أيضاً من استملاك ذكوريّ وأبويّ لشخصهنّ يحولنهنّ أحياناً لقطعة أرض من تلك التي يتكلم عنها الوزير حرب - قلّل الله من أمثاله -

No comments:

Post a Comment